Page Nav

HIDE

Grid

GRID_STYLE

RTL

RTL

Add

الاخبار

latest

اعلان

الرسالة الاكثر بلاغة في الميدان الجنوب بين ذاكرة القضية وميزان الإقليم

  الغد الجنوبي    تؤكد دروس التاريخ، في محطاته الكبرى، أن القضايا التي تتجذر في وعي الشعوب لا تُقاس بظرفٍ عابر، ولا يمكن احتواؤها عبر معالجا...

 

الغد الجنوبي 


 



تؤكد دروس التاريخ، في محطاته الكبرى، أن القضايا التي تتجذر في وعي الشعوب لا تُقاس بظرفٍ عابر، ولا يمكن احتواؤها عبر معالجات مؤقتة أو حسابات سياسية ضيقة. هي قضايا تنمو ببطء، وتتراكم عبر التجربة والذاكرة الجمعية، حتى تتحول إلى إرادة عامة لا تقبل الالتفاف أو الإلغاء. وفي هذا السياق، بدت المشاهد الجماهيرية التي شهدتها عدن والمكلا خلال اليومين الماضيين أقرب إلى لحظة مكاشفة سياسية صريحة، عبّرت فيها الحشود عن موقفها بوضوح، دون مواربة أو لبس.

لم تكن تلك التجمعات مجرد استعراض عددي، بل حملت في مضمونها رسائل متعددة الاتجاهات؛ أولها أن الشارع الجنوبي بات أكثر وعياً بتمثيله السياسي، وأكثر تمسكاً بفكرة الالتفاف حول كيان واحد يراه معبّراً عن قضيته. وثانيها أن محاولات إعادة تشكيل المشهد أو تفكيكه عبر أدوات الضغط أو الإرباك لم تعد تجد ذات الصدى الذي كانت تراهن عليه بعض الأطراف. وثالثها، وربما الأهم، أن الجنوب لم يعد يتعامل مع نفسه كقضية داخلية معزولة، بل كعامل مؤثر في معادلة أوسع تتعلق بأمن واستقرار الإقليم بأكمله.

لقد أظهرت الوقائع خلال السنوات الماضية أن الجنوب لعب دوراً يتجاوز حدوده الجغرافية، سواء في مواجهة التنظيمات المتطرفة أو في الحد من تمدد مشاريع إقليمية تهدد التوازن في المنطقة. هذا الدور لم يكن وليد تحالفات ظرفية فحسب، بل نتاج بنية اجتماعية وسياسية تشكلت تحت ضغط التحديات، وأفرزت فاعلين قادرين على التعامل مع الواقع ببراغماتية ومسؤولية في آنٍ واحد. ومن هنا، فإن تصوير الجنوب كمصدر قلق أو عنصر اضطراب يتناقض مع ما تعكسه المؤشرات على الأرض.

في المقابل، تبدو بعض المقاربات السياسية وكأنها لا تزال أسيرة تصورات قديمة، تحاول إدارة المشهد بأدوات لم تعد صالحة، أو تتجاهل التحولات العميقة التي طرأت على وعي الشارع الجنوبي. فبدلاً من البناء على حالة الاستقرار النسبي التي تشكلت، يجري أحياناً الدفع نحو خلق توازنات هشة عبر قوى متضادة، وهو مسار أثبتت التجارب أنه لا يؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمات وتعقيدها.

إن القراءة الواقعية للمشهد تقتضي الاعتراف بأن استقرار الجزيرة العربية لا يمكن فصله عن وضع الجنوب. فكلما كان الجنوب أكثر تماسكاً وأمناً، انعكس ذلك إيجاباً على محيطه الإقليمي، والعكس صحيح. ومن هنا، فإن دعم نموذج إدارة مستقرة، تحظى بقبول شعبي، وتُمنح مساحة كافية لاتخاذ القرار، لا يُعد مكسباً لطرف دون آخر، بل استثماراً في استقرار طويل الأمد يخدم الجميع.

ما حدث في عدن والمكلا لم يكن مجرد حدث عابر في روزنامة السياسة، بل مؤشر على مرحلة جديدة تتشكل ملامحها تدريجياً. مرحلة عنوانها الأبرز أن الشارع لم يعد متلقياً سلبياً، بل شريكاً فاعلاً في رسم الاتجاهات، وأن أي مشروع لا يستند إلى هذا الواقع محكوم عليه بالتآكل مهما امتلك من أدوات القوة.

في نهاية المطاف، لا تبحث الشعوب عن صراع دائم، بل عن صيغة تضمن لها الأمن والكرامة والاستقرار. والجنوب، كما أظهرت تلك الحشود، لا يسعى إلى خلق فوضى بقدر ما يسعى إلى تثبيت معادلة واضحة: إرادة داخلية تُحترم، ودور إقليمي يُبنى على الشراكة لا التنازع. وهي معادلة، إن جرى التعامل معها بوعي ومسؤولية، قد تشكل مدخلاً حقيقياً لاستقرار لا يخص الجنوبيين وحدهم، بل يمتد أثره إلى المنطقة بأسرها.

Keine Kommentare