الغد الجنوبي / متابعات . على امتداد سنوات طويلة، ظل الجنوبيون يتطلعون إلى بناء مؤسساتهم وإدارة شؤونهم بأنفسهم، باعتبار ذلك حقاً طبيعياً ل...
الغد الجنوبي / متابعات .
على امتداد سنوات طويلة، ظل الجنوبيون يتطلعون إلى بناء مؤسساتهم وإدارة شؤونهم بأنفسهم، باعتبار ذلك حقاً طبيعياً لأي شعب يسعى إلى رسم مستقبله وصناعة قراره بعيداً عن التدخلات والوصاية المفروضة. غير أن الواقع الذي عاشه الجنوب خلال العقود الماضية كشف عن حالة معقدة من الوصاية السياسية والإدارية التي حدّت من قدرة الكفاءات الجنوبية على قيادة مؤسساتها وإدارة مواردها، الأمر الذي انعكس سلباً على مستوى الخدمات والتنمية والاستقرار.
لقد شكلت الوصاية بأشكالها المختلفة إحدى أبرز العقبات التي واجهت مسيرة بناء المؤسسات في الجنوب، حيث تم تهميش العديد من الكوادر المؤهلة وإبعادها عن مواقع القرار، مقابل فرض مراكز نفوذ وقوى سياسية كانت تدير المشهد وفق حسابات ومصالح خاصة لا ترتبط باحتياجات المواطن ولا بطموحات المجتمع. ونتيجة لذلك، أصبحت العديد من المؤسسات تعاني من الترهل والضعف الإداري، وفقدت قدرتها على أداء دورها بالشكل المطلوب.
إن أي مؤسسة لا يمكن أن تحقق النجاح ما لم تُمنح حرية اتخاذ القرار وفقاً لمقتضيات العمل ومصالح المواطنين. لكن ما حدث في كثير من المراحل هو أن القرارات المصيرية المتعلقة بالخدمات والاقتصاد والإدارة كانت تصدر من خارج نطاق تلك المؤسسات، الأمر الذي أفقدها الاستقلالية والفاعلية، وحوّلها في بعض الأحيان إلى مجرد هياكل شكلية تفتقر إلى القدرة الحقيقية على الإنجاز.
وقد دفع المواطن الجنوبي ثمن هذه السياسات بصورة مباشرة، من خلال تراجع الخدمات الأساسية وتعثر مشاريع التنمية وتفاقم الأزمات الاقتصادية والمعيشية. فحين تُدار المؤسسات بعقلية الوصاية لا بعقلية الشراكة والمسؤولية، تصبح الأولوية للحفاظ على النفوذ بدلاً من معالجة المشكلات وتحقيق تطلعات الناس.
ورغم هذه التحديات، أثبتت التجارب أن الكفاءات الجنوبية تمتلك القدرة على إدارة مؤسساتها بكفاءة عندما تتوفر لها الفرصة المناسبة. ففي العديد من القطاعات برزت نماذج ناجحة أثبتت أن أبناء الجنوب قادرون على تحمل المسؤولية وتحقيق نتائج ملموسة عندما تُمنح لهم الصلاحيات اللازمة بعيداً عن التدخلات والقيود المفروضة.
إن الحديث عن تمكين الجنوبيين من إدارة مؤسساتهم لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مطلباً سياسياً فحسب، بل هو ضرورة إدارية وتنموية تفرضها متطلبات الواقع. فالمؤسسات الناجحة هي تلك التي تستند إلى المعرفة المباشرة باحتياجات المجتمع الذي تخدمه، وإلى قيادات تمتلك فهماً عميقاً لطبيعة التحديات المحلية وسبل معالجتها.
واليوم، ومع التحولات التي تشهدها المنطقة، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى مراجعة السياسات التي كرست الوصاية وأضعفت دور المؤسسات المحلية. فبناء مستقبل مستقر ومزدهر يتطلب تعزيز مبدأ الشراكة الحقيقية وتمكين الكفاءات الوطنية من إدارة مواردها ومؤسساتها وفق أسس مهنية قائمة على الكفاءة والنزاهة والمساءلة.
إن الشعوب لا تنهض بالوصاية، وإنما تنهض عندما تمتلك قرارها وتتحمل مسؤولية إدارة شؤونها بنفسها. ومن هنا فإن تمكين الجنوبيين من إدارة مؤسساتهم يمثل خطوة أساسية نحو بناء مؤسسات قوية وقادرة على مواجهة التحديات وتحقيق التنمية والاستجابة لتطلعات المواطنين، بعيداً عن أي أشكال من التبعية أو الهيمنة التي أثبتت التجارب أنها لا تنتج سوى مزيد من الأزمات والتعقيدات.

ليست هناك تعليقات