الغد الجنوبي / متابعات. في تطور ميداني لافت يحمل دلالات عسكرية وسياسية بالغة الحساسية، شهدت جبهات الضالع خلال الساعات الماضية تحركات وا...
الغد الجنوبي / متابعات.
في تطور ميداني لافت يحمل دلالات عسكرية وسياسية بالغة الحساسية، شهدت جبهات الضالع خلال الساعات الماضية تحركات واسعة للقوات الجنوبية، وذلك بعد أقل من 24 ساعة على التصريحات التصعيدية الصادرة عن جماعة الحوثي، في مشهد يعكس انتقال حالة التهديد من مستوى الخطاب إلى مستوى الاستعداد العملي على الأرض. التحركات الجديدة، التي رصدها ناشطون وإعلاميون عبر مقاطع مصورة متداولة، تأتي في توقيت بالغ الدقة، وسط أجواء مشحونة وتوقعات بإمكانية انزلاق الأوضاع نحو جولة جديدة من المواجهات إذا ما أقدمت المليشيات الحوثية على أي مغامرة عسكرية تستهدف حدود الجنوب أو تحاول اختبار جاهزية القوات المرابطة في خطوط التماس.
وبحسب ما أظهرته المشاهد المتداولة، فإن أرتالاً عسكرية وآليات قتالية تابعة للقوات الجنوبية اتجهت نحو جبهات الضالع، في إطار ما يبدو أنه رفع لمستوى الجاهزية القتالية وتعزيز للمواقع الأمامية تحسباً لأي تطورات ميدانية محتملة. هذه التحركات لم تُقرأ باعتبارها مجرد انتشار روتيني، بل بوصفها رسالة واضحة بأن الجنوب يتعامل بجدية كاملة مع أي تهديد صادر عن الحوثيين، وأن الرد لن يكون هذه المرة محصوراً في بيانات الإدانة أو المواقف السياسية، بل في الجاهزية الميدانية والاستعداد لخوض المواجهة إذا فرضت المعركة.
اللافت في هذا التطور أن التحرك الجنوبي جاء سريعاً وحاسماً، بما يوحي بأن غرف العمليات العسكرية كانت تتابع عن كثب التصريحات الحوثية الأخيرة، وتتعامل معها باعتبارها مؤشراً خطيراً يستوجب الرد الاستباقي ورفع حالة التأهب. فالضالع ليست جبهة عابرة في حسابات الحرب، بل تمثل واحدة من أكثر الجبهات حساسية واستنزافاً للحوثيين خلال السنوات الماضية، كما أنها تشكل بوابة استراتيجية طالما حاولت المليشيات اختراقها دون أن تنجح في تغيير معادلة السيطرة فيها. ولهذا فإن أي حديث حوثي عن التصعيد تجاه الجنوب يجد صداه سريعاً في هذه الجبهة تحديداً، حيث تختلط الرمزية العسكرية بالأهمية الجغرافية وبالذاكرة الثقيلة للمعارك السابقة.
وفي موازاة التحركات الميدانية، برز خطاب تعبوي واضح من جانب القوات الجنوبية ومحيطها الشعبي، عنوانه أن الجنوب لن ينتظر حتى تصل النيران إلى عمقه، بل سيتعامل مع أي تهديد من منطلق الدفاع الاستباقي عن الأرض والسيادة. ومن هنا جاء إعلان النفير العام ورفع درجة الاستعداد، كرسالة مزدوجة: الأولى للحوثيين بأن جبهات الجنوب ليست رخوة ولا قابلة للاختبار، والثانية للداخل الجنوبي بأن المرحلة تتطلب اصطفافاً شعبياً ومساندة واسعة للقوات المرابطة في المتارس وخطوط التماس.
ويرى مراقبون أن توقيت التصعيد الحوثي وما تبعه من استنفار جنوبي لا يمكن فصله عن حالة السيولة التي تعيشها الجبهات اليمنية عموماً، ولا عن محاولات بعض الأطراف إعادة خلط الأوراق ميدانياً في لحظة إقليمية مضطربة. فالضالع، بما تمثله من عقدة عسكرية للحوثيين، ظلت هدفاً دائماً لمحاولات التسلل والضغط، سواء عبر القصف أو عبر الهجمات المحدودة أو عبر الحرب النفسية والإعلامية. غير أن الرد الجنوبي هذه المرة بدا حاسماً في إظهار أن أي محاولة للعبث بأمن الجنوب ستُقابل بحشد ميداني فوري، وبإرادة قتالية لا تقل صلابة عن تلك التي أفشلت هجمات سابقة.
وفي الشارع الجنوبي، لم تُستقبل هذه التحركات باعتبارها حدثاً عسكرياً فحسب، بل كخطوة دفاعية مطلوبة في ظل تصاعد لغة التهديد. فالجمهور الذي خبر الحرب وتكلفتها يدرك أن التهاون مع الخطابات العدائية قد يفتح الباب أمام مغامرات أكثر خطورة، ولذلك جاءت حالة التفاعل الشعبي مع مشاهد الدفع بالتعزيزات مشوبة بروح التأييد والتعبئة، باعتبار أن حماية الجبهات المتقدمة تعني حماية المدن والقرى ومصالح الناس من أي ارتدادات أمنية أو عسكرية.
الرسالة الأوضح التي خرجت بها الساعات الماضية هي أن الجنوب قرر التعامل مع أي تهديد حوثي بمنطق القوة والجاهزية، لا بمنطق الانتظار ورد الفعل المتأخر. فتحريك القوات إلى جبهات الضالع، وإعلان النفير العام، ورفع مستوى الاستعداد، كلها مؤشرات على أن المؤسسة العسكرية الجنوبية وضعت سيناريوهات التصعيد على الطاولة، وأنها تتحرك وفق قراءة تعتبر أن التهديدات الأخيرة ليست مجرد ضجيج إعلامي عابر، بل احتمالاً قائماً يجب الاستعداد له بكل الوسائل.
ومع استمرار الترقب لما قد تحمله الساعات والأيام القادمة، تبقى الضالع مرة أخرى في قلب المشهد، بوصفها الجبهة التي تختبر فيها النوايا وتُقاس عندها جدية التهديدات. أما الجنوب، فيبدو من خلال هذه التحركات، مصمماً على أن يبعث برسالة لا لبس فيها: الأرض الجنوبية ليست ساحة مفتوحة للابتزاز أو المغامرة، وأي خطر يقترب من حدودها سيجد أمامه قوات مستنفرة، وقراراً جاهزاً بالمواجهة، وشعباً لا يزال يعتبر الدفاع عن أرضه قضية وجود لا تقبل المساومة.

ليست هناك تعليقات