الغدالجنوبي/ أبو ليث الحميدي تمر قضية الجنوب اليوم بمرحلة من أخطر مراحلها، مرحلة تختبر فيها المواقف، وتُفرز الصفوف، ويُقاس فيها صدق الانتم...
الغدالجنوبي/ أبو ليث الحميدي
تمر قضية الجنوب اليوم بمرحلة من أخطر مراحلها، مرحلة تختبر فيها المواقف، وتُفرز الصفوف، ويُقاس فيها صدق الانتماء لا بالشعارات بل بالفعل والوعي والحضور. ففي ظل ما يشهده المشهد السياسي من محاولات متكررة لإعادة صياغة الواقع بما يتناقض مع تطلعات شعب الجنوب، ومع حجم التضحيات التي قُدمت على مدى سنوات، جاءت دعوة الرئيس القائد/ عيدروس قاسم الزُبيدي للاحتشاد الشعبي كتعبير صريح عن أن لحظة الصمت قد انتهت، وأن الإرادة الشعبية لا يمكن تجاوزها أو الالتفاف عليها مهما تعددت الأساليب وتغيّرت الأدوات.
هذه الدعوة لم تأتِ بدافع الاستعراض، ولا بحثاً عن مكسب سياسي عابر، بل جاءت استجابة لواقع ضاغط تحاول فيه أطراف عدة فرض مسارات لا تعبّر عن وجدان الشارع الجنوبي، ولا تحترم تاريخه النضالي، ولا تضع في حسابها دماء الشهداء ولا معاناة الجرحى ولا صبر الناس على مدار أعوام من الإقصاء والتهميش. وحين تصل القضايا المصيرية إلى هذا المستوى من الخطورة، يصبح الاحتشاد الشعبي فعلاً مشروعاً، بل ضرورة وطنية، لإعادة تصويب البوصلة ومنع فرض الأمر الواقع.
إن الاحتشاد في جوهره ليس تجمعاً للأجساد، بل التقى للإرادات، وتعبيراً جماعياً عن الرفض الواعي لكل ما يُدار خلف الكواليس بعيداً عن أصحاب القضية. هو رسالة حضارية سلمية تؤكد أن الجنوب ليس ساحة صامتة، ولا شعباً يمكن تجاهله، ولا قضية قابلة للاختزال في تفاهمات لا تحظى بالإجماع الشعبي. فالشعوب الحية حين تشعر بأن مصيرها يُناقش دونها، لا تملك ترف الانتظار، بل تتحرك بوعي ومسؤولية لتقول كلمتها بوضوح.
لقد أثبتت التجارب أن أخطر ما يواجه القضايا العادلة ليس الخصوم وحدهم، بل التراخي الداخلي، وتفكك الصف، والانشغال بالخلافات الثانوية على حساب الهدف الأكبر. ومن هنا تكتسب هذه الدعوة أهميتها، لأنها تعيد الاعتبار لوحدة الصف الجنوبي باعتبارها السلاح الأقوى في مواجهة محاولات الإضعاف والاحتواء. فالجنوب الذي صمد أمام الحرب، وواجه محاولات الطمس، وفرض نفسه رقماً صعباً في المعادلة، لا يجوز أن يُهزم اليوم بالانقسام أو اللامبالاة أو سوء التقدير.
كما أن هذه الدعوة تحمل في طياتها رسالة واضحة لكل من يراهن على إنهاك الشارع الجنوبي أو كسر إرادته، مفادها أن هذا الشعب، رغم كل ما يعانيه من ضغوط اقتصادية وخدمية ومعيشية، ما زال يمتلك وعياً سياسياً عالياً، ويميز بين الحلول الحقيقية والمشاريع الوهمية، وبين من يعمل لمصلحته ومن يتاجر بقضيته. وهي في الوقت ذاته رسالة للخارج بأن الجنوب لم يعد يقبل أن يكون ملفاً هامشياً أو ورقة تفاوض في صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.
وتتجسد أهمية هذا الحراك اليوم بوصفه فعل وفاء لدماء الشهداء قبل أي اعتبار آخر، وانتصاراً لقضية شعب حيّ لم تنته ولن تنتهي بقرار يُصاغ في غرفة نوم العليمي، ولا بضربة طيران سعودي جبان توهّم أن القوة الغاشمة قادرة على إخماد قضية عادلة. فهذه قضية شعب يمتلك الوعي والإرادة، وقد أثبت حضوره في الميدان أنه الطرف الحقيقي في تقرير مصيره.
وقد جاء تفاعل المبعوث الأممي مع مليونية الوفاء والصمود ليؤكد هذه الحقيقة، حين أشار في إحاطته إلى أن قضية الجنوب يحددها شعب الجنوب، ولا يمكن أن تُقرَّر أو تُحسم من طرف أحادي بالقوة، في إشارة واضحة للعدوان السعودي. هذا الموقف، الذي لم يحتملوه، قوبل بحملات سبّ وتشويه من إعلام السعودية، في مشهد يعكس حجم الضيق من أي اعتراف بإرادة الشعوب، ويفضح الإفلاس السياسي والأخلاقي لمن اعتادوا فرض رؤيتهم بالقوة.
وعليه، فإن هذا الحشد الشعبي يمثل صفعة جديدة في وجه عصابة المرتزقة الإخوان، والعميل العليمي، ومن يقف خلفهم ويدعم مشاريعهم، ورسالة لا لبس فيها بأن الجنوب لم يُكسر، ولن يخضع للوصاية، وأن إرادة شعبه أقوى من الطيران وأصدق من كل القرارات المفروضة. سننتصر، لأن الحرية حق الشعوب الحرة، لا من نصيب من ناموا وتمنّوا، ولأن القضايا العادلة قد تُحاصر وتُستهدف، لكنها لا تموت… ولا تُهزم.

ليست هناك تعليقات