Page Nav

HIDE

Grid

GRID_STYLE

RTL

RTL

Add

الاخبار

latest

اعلان

زمن الانكشاف… من في قلب المشروع ومن على هامشه

 الغد الجنوبي     في لحظات التحول الكبرى، لا تبقى الوجوه كما هي، ولا تستمر الشعارات في أداء دورها القديم. ما يجري اليوم في المشهد الجنوبي لي...

 الغد الجنوبي 




  

في لحظات التحول الكبرى، لا تبقى الوجوه كما هي، ولا تستمر الشعارات في أداء دورها القديم. ما يجري اليوم في المشهد الجنوبي ليس مجرد اختلافات عابرة أو تباينات سياسية معتادة، بل هو عملية فرز عميقة تعيد تعريف من ينتمي فعلاً إلى المشروع، ومن كان مجرد عابر طريق استظل بظروف مرحلة استثنائية. هذه التصدعات التي بدأت تظهر للعلن لم تأتِ فجأة، بل كانت كامنة تحت سطح التوافقات الهشة التي فرضتها ضرورات سابقة، قبل أن تتغير المعطيات وتبدأ الحقيقة في فرض نفسها بلا تجميل.

خلال السنوات الماضية، اتسم المشهد بدرجة من الانفتاح السياسي الذي أتاح توسيع دائرة المشاركة، وهو أمر بدا في ظاهره إيجابيًا، لكنه في العمق حمل معه تناقضات مؤجلة. فقد تسللت إلى الصفوف عناصر لم يكن لديها مشروع واضح بقدر ما كانت تبحث عن موقع أو نفوذ، مستفيدة من ضبابية المرحلة وغياب معايير صارمة للانتماء السياسي. ومع أول اختبار حقيقي، بدأت هذه العناصر تتكشف، لا بفعل استهداف مباشر، بل نتيجة عجزها عن التكيف مع متطلبات مرحلة أكثر وضوحًا وحسمًا.

اللافت أن بعض الخطابات التي ترتفع اليوم تحت عناوين كيانات كرتونيه لا تعكس بالضرورة مظلومية حقيقية، بل تبدو أقرب إلى رد فعل على رغبه الحصول على امتيازات جديده تحت شعار التشضي والتفريخ فحين تتغير موازين المصالح، تتبدل اللغة، ويُعاد إنتاج الخطاب بما يخدم التموضع الجديد، حتى وإن جاء ذلك على حساب الاتساق أو المصداقية. وهنا تحديدًا تتجلى إحدى أهم سمات المرحلة: سقوط الأقنعة التي طالما أخفت تناقضات عميقة داخل البنية السياسية.

ما يحدث لا يمكن قراءته بمعزل عن طبيعة المراحل الانتقالية، التي غالبًا ما تمر بحالة من إعادة التشكل، حيث يتم التخلص من التشوهات التي تراكمت تحت ضغط الضرورة. فكل مشروع سياسي، حين ينتقل من طور التوسع إلى طور التمكين، يجد نفسه مضطرًا إلى مراجعة أدواته، وتنقية صفوفه، والتخلي عن الأحمال الزائدة التي تعيق تقدمه. وفي هذا السياق، تبدو التصدعات الحالية، رغم حدتها، جزءًا طبيعيًا من عملية التصحيح، بل وربما شرطًا لازمًا لبناء تماسك أكثر صلابة.

ومع اتساع رقعة الانكشاف، تتجه الأنظار إلى القوى الفاعلة وقدرتها على استثمار هذه اللحظة المفصلية. فإعادة بناء التماسك الداخلي لا تتطلب فقط إقصاء العناصر غير المنسجمة، بل تستدعي أيضًا ترسيخ معايير واضحة للانتماء، تقوم على القناعة لا على المصلحة، وعلى الالتزام لا على الظرف. كما أن نجاح هذه العملية مرهون بقدرة القيادة على تحقيق توازن دقيق بين الحزم والانفتاح، بحيث لا يتحول التصحيح إلى انغلاق، ولا يستمر الانفتاح على حساب وضوح المشروع.

في النهاية، لا يبدو أن الجنوب أمام أزمة بقدر ما هو أمام اختبار نضج. فالمشاريع الكبرى لا تقاس بقدرتها على التوسع فقط، بل بقدرتها على التماسك حين تهب رياح التغيير. وما نشهده اليوم قد يكون بداية لمرحلة أكثر وضوحًا، تُرسم فيها الخطوط الفاصلة بين من ينتمي إلى الفكرة، ومن كان مجرد ظلٍ لها، وبين من يرى في المشروع قضية، ومن كان يراه فرصة. وفي مثل هذه اللحظات، لا مكان للمنطقة الرمادية؛ إما حضور حقيقي في قلب المعادلة، أو خروج صامت خارجها.

ليست هناك تعليقات